القاضي عبد الجبار الهمذاني
342
المغني في أبواب التوحيد والعدل
وليس لهم أن يقولوا : ان إرادة السفه لا تقبح ، لأنها إرادة للسفه ، ولا يجب كون فاعله سفيها لأجلها « 1 » ، لأن الواحد منا لو أراد السفه لنفع له فيه ، لحسن ذلك منه . وكذلك نقول في الكذب وغيره . وذلك لأن ما أدعوه لا أصل له ؛ لأنا نقول انّ ذلك يقبح على كل حال ، وانما يلتبس في بعض الأحوال حكمه لحصول نفع فيه ، فيحتاج في معرفة قبحه إلى استدلال . وقد بينا من قبل أن الكذب يقبح لأنه كذب ، وأن إرادة القبيح تقبح لأنها إرادة للقبيح ، فلا وجه لإعادته . وقولهم انه يحسن من الانسان أن يقول لطالب دم المؤمن إذا سأله عنه : أهو في الدار أم لا ، أن يقول : ليس في الدار « 2 » ، وان كان كاذبا ، ليخلصه من القتل ، لا يصح عندنا . لأن ذلك قبيح منه . والواجب عليه أن يخلصه بالتعريض وما يجرى مجراه ، فأما بالكذب فلا يحسن منه ذلك . وليس لأحد أن يقول : يجب أن يحسن منه الكذب ، إذا لم يعرف المعاريض . ويجب أن يحسن من المكره ذلك أيضا عند الخوف ، إذا لم يتهيأ له التورية . وذلك لأن العارف بالعادات من العقلاء لا بد من أن يعرف / المعاريض كما يعرف الخبر ، ويعرف التورية والالغاز ، كما يعرف الصحيح من الكلام . فإذا قصد الكذب مع تمكنه من الوصول إلى غرضه بالصدق ، لم يخرج من أن يكون مقدما على قبيح . ولو صحّ ما قالوه من أن فيهم من لا يعرف ذلك ، لكان ملوما إذا فعله ، وهو متمكن من معرفته ، كما نقوله في البرهمى والخارجي .
--> ( 1 ) لأجلها : لأجله ص ( 2 ) في الدار : هو فيها ط